سيد محمد طنطاوي

305

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والثالث : أنه منصوب بفعل مقدر يدل عليه السياق . أي : شرع اللَّه ذلك . وهذا أقواها ، لتعلق لام العلة به . وقوله * ( لِتَعْلَمُوا ) * منصوب بإضمار أن بعد لام كي . وقوله : * ( وأَنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) * معطوف على ما قبله وهو * ( أَنَّ اللَّه يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ ) * « 1 » . ثم رهب اللَّه - تعالى - عباده من عقابه ورغبهم في ثوابه فقال : * ( اعْلَمُوا أَنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقابِ وأَنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * . أي : اعلموا - أيها الناس - أن اللَّه شديد العقاب لمن انتهك حرماته ، وتجاوز حدوده ، وأنه - سبحانه - واسع المغفرة والرحمة لمن أطاعه وتاب إليه توبة صادقة . وفي تصدير الآية الكريمة بفعل الأمر * ( اعْلَمُوا ) * تنبيه شديد إلى أهمية ما سيلقى عليهم من أمر أو نهى ، حتى يستقر في قلوبهم ، ويرسخ في نفوسهم ، فيسهل عليهم تنفيذه . وجمع - سبحانه - بين الترهيب والترغيب ، حتى يكون المؤمن بين الرجاء والخوف ، فلا يقنط من رحمة اللَّه ولا يجترئ على ارتكاب ما يغضبه - سبحانه - . وبعد هذا الترغيب والترهيب بين - سبحانه - وظيفة رسوله صلى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ واللَّه يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ ) * . وأصل البلاغ - كما يقول القرطبي - البلوغ ، وهو الوصول . يقال : بلغ يبلغ بلوغا وأبلغه إبلاغا . وبلغه تبليغا ، ومنه البلاغة ، لأنها إيصال المعنى إلى النفس في أحسن صورة من اللفظ » « 2 » . أي : ليس على رسولنا - أيها الناس - إلا تبليغ ما أمرناه بتبليغه إليكم وتوصيل ما كلفناه بتوصيله لكم ، وهو لم يقصر في ذلك ، ولم يأل جهدا في نصحكم وإرشادكم فأطيعوه لتسعدوا . واعلموا أن اللَّه - تعالى - يعلم ما تظهرون وما تخفون من خير أو شر ، وسيجازيكم بما تستحقون يوم القيامة . فالآية الكريمة تأكيد لما اشتملت عليه سابقتها من ترغيب وترهيب ، ومن تبشير وإنذار ، وتصريح بأن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم عليه تبليغ ما كلفه اللَّه بتبليغه إلى الناس ، وليس عليه بعد ذلك هدايتهم أو ضلالهم ، وإنما اللَّه وحده هو الذي بيده ذلك ، وهو الذي بيده حسابهم ومجازاتهم على أعمالهم .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 528 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 327 .